يحيي بن حمزة العلوي اليمني

112

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

دون غيركم ، وهكذا قوله مِنْ دُونِ النَّاسِ [ الجمعة : 6 ] فيه نهاية الاختصاص ، فلما حصل تأكيد هذا الخطاب بهذه الأنواع من التوكيد ، أتى بالنفي « بلن » لما بالغ في إتيانه بالغ في نفيه « بلن » وهذا كله دال على كونها موضوعة للمبالغة . الطريق الثالث هو أنه بالغ في ما نفى « بلن » بأن أكّده بقوله « أبدا » وفي هذا أعظم دلالة على أن وضعها للمبالغة في النفي ، فهذه الطرق الثلاث كلها مقررة لما ذكره الشيخ من أن « لن » لتأكيد ما تعطيه « لا » من نفى المستقبل ، فأما ابن الخطيب أبو المكارم صاحب التبيان فقد يتلكأ في قبول ما ذكرناه ، وزعم أن الأمر على العكس مما أوردناه ، وأن النفي « بلا » آكد من النفي « بلن » وقال : إن الزمخشري إنما ذهب إلى هذه المقالة بناء على مذهبه في الاعتزال ، من نفى الرؤية واستحالتها على الله تعالى ، وهذا خطأ منه ، فإنا قد دللنا على كون « لن » دالة على مبالغة النفي بها في الأزمنة المستقبلة ، ومن العجب أنه قال : إنما صار الزمخشري إلى ما حكيناه عنه لأجل الاعتزال ، فليس الأمر كما زعمه ، وإنما صار إليه للدليل الواضح من جهة نص الأدباء واستعمال أهل اللغة على ذلك ، ومما يؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن الله تعالى لما نفى « بلا » إدراك الأبصار عن ذاته بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] أي المبصرون بالأبصار على جهة العموم والاستغراق في الأزمنة المستقبلة من غير مبالغة هناك وقال ردا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] « فجاء بهذه اللفظة قطعا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابه بما يفيد الاستغراق والتأبيد ، واستقصاء الكلام في استحالة الرؤية من الأدلة النقلية يليق بالعلوم الدينية وقد أشرنا إليها في كتاب « النهاية » وبالله التوفيق . الصورة الخامسة [ « لو » ] ووضعها في الشرط للماضى كما كانت « إن » شرطا في المستقبل خلافا للفراء فإنه زعم أنها شرط في المستقبل كإن ، وتطلب فعلين تعلق الثاني منهما بالأول تعليق المسبب بالسبب ، فإن كانا منفيين لفظا فهما مثبتان من جهة المعنى ، وإن كانا مثبتين لفظا فهما منفيان من جهة المعنى ، وإن كان الأول مثبتا والثاني منفيا ، أو بالعكس فهما في المعنى على المناقضة من لفظهما : لا يقال : فإذا كان الأمر كما قلتموه في « لو » فكيف يمكن تنزيل الحديث النبوي الوارد في حق « صهيب » في قوله عليه السلام « نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » فإنه إذا كان الأمر على ما قررتموه في « لو » كان حاصله أنه خاف الله فعصاه ،